التعليم والتنمية المستدامة بالنسبة لأطفال اضطرابات التوحد
بناء الصفوف الصديقة لأطفال اضطرابات التوحد لمساعدتهم بالدمج بالمدارس الابتدائية
Building Autism – Friendly Class
اعداد الأستاذة/ لطيفة جاسم الغتم (مديرة مركز أمنية للتوحد والتربية الخاصة)
ملخص البحث:
هدفت الدراسة الحالية إلى الكشف عن برنامج تأهيلي لأطفال التوحد ليتمكنوا من الاستفادة من الدراسة بالصفوف العادية وفق المناهج العادية والمقررات الدراسية نفسها. وقد تم التوصل إلى أن الطلبة اللذين حصلوا على التدريب الكافي من خلال طريقة الصفوف الصديقة لأطفال التوحد صارت لديهم مقدرة على الدمج بسهولة داخل الصفوف العادية لدراسة نفس المناهج المقررة عليهم. البرنامج تم تطبيقه بمركز أمنية للتوحد والتربية الخاصة وقد حقق نتائج على مدى سنتين من تطبيقه مع طلبة التوحد حيث ألتحق جميع طلبة التوحد اللذين التحقوا بالبرنامج بصفوف الدمج ليتعلموا مع أقرانهم من الأطفال الطبعيين داخل نفس الغرف الصفية.
مقدمة:
التعليم الجيد هو الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، وذلك لكون التعليم الجيد يمكن الناس من العيش بحياة أكثر صحة واستدامة. لذا تم اتخاذ كافة التدابير لإلحاق جميع الأطفال بالتعليم المجاني بالمدارس العادية. أما بالنسبة لأطفال التوحد، فقد كان هنالك الكثير من الصعوبات والتحديات الكبيرة التي قد تواجه تلك الفئة من الأطفال عند التحاقهم بالمدارس والتي يجب التغلب عليها. وذلك بسبب أن الأطفال التوحديين ذوي نمط معين وانتقالهم من بيئة لأخرى يترتب عليه ارباكهم وعدم درايتهم لكونهم يفتقدون لمهارة التواصل الاجتماعي. ولكسر حاجز التمييز بين الأطفال، وتقليل وصمة الإعاقة وتطوير مهاراتهم وتحصيلهم مع زيادة ثقتهم في نفسهم. لذا كان لابد من الاهتمام بتقديم خدمات تأهيلية مجتمعية خاصة بهم حتى يتمكنوا من إتمام دراستهم بالمدارس. تلك الخدمات تساعدهم من الاعتماد على النفس في النظافة الشخصية كما تمكنهم من الجلوس على الكرسي ومسك القلم وغيرها من المهارات التي تمكنهم من الاستعداد للبدء بالدراسة بالمدارس.
مشكلة الدراسة:
أغلب الدراسات فسرت التوحد بأنه حالة طيفية تجعل جميع الأشخاص المصابين به غير قادرين على العيش حياة مستقلة دون الحاجة اما لمرافق أو لأخصائي لمدى الحياة وذلك لعدم تمكنهم من التغلب على الصعوبة التي تواجههم في التعامل مع ثلاث مجالات الرئيسية التالية:
- التفاعل الاجتماعي: قد يكون الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للأشخاص المصابين بالتوحد للتعرف على الآخرين وفهمهم للمشاعر والتعبير عن المشاعر الخاصة بهم، مما يجعل من الصعب عليهم “التوافق” اجتماعيا. العديد من البالغين المصابين بالتوحد هم معزولون اجتماعيا وقد تكون أسرهم هي الوحيدة التي تكون شكل من أشكال الاتصال الاجتماعي.
- التواصل الاجتماعي: الأشخاص المصابون بالتوحد لديهم صعوبات في كل من اللغة اللفظية وغير اللفظية، كثير منهم لديهم فهم حرفي جدا للغة، ويعتقد أن الناس يعنون دائما ما يقولونه بالضبط. حتى أن بعض المهنيين، البالغين المصابين بالتوحد، غالباً ما يرغبون في حضور شخص يمكنه مساعدتهم خلال اجتماعات العمل التي يقومون بها.
- قلة التحسس أو الأفراط فيه: الأشخاص المصابون بالتوحد غالباً ما يعانون من الإفراط في، أو قلة الحساسية للأصوات، أو الأذواق، أو الروائح، أو الأضواء، أو الألوان، لذا كانوا يعبرون عن تحسسهم بتصرفات قد يعتبرها البعض بالسلوك السيء حتى أن هناك بعض من المعلمين اللذين يكون من الصعب إقناعهم من أن التوحد هو سبب ظهور مثل ذلك السلوك.
ترى الباحثة من خلال اضطلاعها على العديد من البرامج العلمية لتأهيل أطفال التوحد، وخبرتها العملية بالمجال أن عملية تأهيل أطفال التوحد يجب أن تشمل العمل على تدريبهم وتأهيلهم على مجالات سبعة يتم التدريب عليها بصفوف يمكن أن نطلق عليها: “الصفوف الصديقة الخاصة بأطفال اضطرابات التوحد” Autism – Friendly Class
والتي يتم التركيز فيها على تدريب وتأهيل أطفال التوحد داخل المراكز التأهيلية الخاصة بهم لتعينهم على نجاحهم للدمج عند التحاقهم بصفوف الأطفال العاديين في المرحلة الابتدائية بالمدارس العادية. وفي هذا السياق فإن الهدف العام للصفوف الصديقة الخاصة بأطفال التوحد يكون: تنمية قدرات الطلاب على استخدام أفضل الأساليب السلوكية لديهم لتسهيل عملية دمجهم بالمدارس العادية.
عرض ومناقشة مهارات الصفوف الصديقة:
فكرة الصفوف الصديقة لأطفال التوحد قد قامت لتدعم ومساعدة أولئك الأطفال في تجاوز الصدمة التي قد يمرون بها عند التعامل مع التغيير الهائل في محيطهم لتعلم قواعد جديدة عليهم. لذا كان لابد من اعتماد استراتيجيات ومهارات يتم تدريب الطلبة وتأهيلهم عليها، وهي التي سيتم مناقشتها وتوضيحها أكثر بحسب تسلسلها في المجالات السبعة:
- مهارة استراتيجية النجاح Strategies of Success
تشجع البيئة في الصفوف الصديقة طلبة التوحد على التغلب على الصعوبات التي يواجهونها خلال تواصلهم الاجتماعي مع الآخرين. مما يتسبب في ارباكهم عند عملية الدمج، لذا كان لابد من التركيز على تدريب المهارات الخاصة التي تزيل عنهم الإرباك وتشجعهم على النجاح والتي تعتمد اساساً على التواصل الفعال والذي يعتبر أساس التفاعل الاجتماعي وهو ما يشمل على كلاً من: المهارات اللفظية كالمحادثة/ النطق، ومهارة استخدام اللغة/ اللغة التعبيرية.
- المهارة الاجتماعية Social Skills
يعاني الأطفال المصابون بالتوحد من صعوبة في قراءة التعابير والأحاسيس المختلفة التي يحسها الآخرين، وذلك لكونهم يفتقدون لمعنى التواصل الاجتماعي وفهم التفاعلات مع الأقران. وفي الصفوف الصديقة تم تدريب الطلبة على كيفية تطوير مهارات الاتصال لتقليل السلوكيات الشاذة بالمدرسة، والتي تتمثل في إرشادات خاصة لدعم التنظيم والتواصل الاجتماعي مثل: التعليمات بسيطة لمعرفة وقت الانتظار للمعلومات المنطوقة، والإشارات الاجتماعية التي قد يرسلها بعض الطلبة، وما إلى ذلك من أمور وسلوكيات مجتمعية تكون مقبولة داخل الصفوف.
- مهارة المساعدة الذاتية Self Help Skills
إن تعليم مهارة المساعدة الذاتية للأطفال تتضمن القدرة على تحديد المشاعر وتوجيهها بشكل مناسب عند مواجهة ظروف صعبة. لكون تلك المهارات، يمكن تطويرها بمرور الوقت، ليتمكن الأطفال من التفكير في عواقب أفعالهم قبل تكييف سلوكهم للتركيز على هدفهم النهائي، حتى في الأوقات التي لا يمكن التنبؤ بها أو غير المؤكدة. إن دعم الأطفال أثناء تطوير مهارات التنظيم العاطفي في مجموعة من السياقات والتدريبات المختلفة سيوفر لهم أساساً أقوى للنجاح الأكاديمي والاجتماعي.
- المهارات المتخصصة Niche Related Skills
تتضمن المهارات المتخصصة على مهارات الحياة اليومية والتي تعزز الاستقلال لدى الطفل ذو اضطرابات التوحد مثل الطهي والتنظيف وإدارة الأعمال المنزلية.
- مهارات وخطط لمعالجة القلق السلوك Plan to Tackle the Behavior Concerns
لتحقيق النجاح الأكاديمي لطلبة التوحد عند دمجهم بالمدارس العادية، كان لابد من أن يتعلم أولئك الطلبة المهارات الاجتماعية والحياتية مع تعلم التقنية التي تمكن الطالب من أن يستخدمها لتهدئة نفسه. وهنا يكون دور الصفوف الصديقة التي يمكنها تأهيل الأطفال ذوو اضطرابات التوحد للتغلب على ذلك القلق السلوكي وذلك عن طريق خلق بيئة منتظمة يوجد بها روتين وتكرار مستمر تمكنهم من تحسين تعلمهم.
- مهارة الدفاع عن النفس Self-Advocacy
إن تعليم أطفال التوحد مهارة التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم يمكنهم من الدفاع عن أنفسهم في مواقف مختلفة، سواء كان ذلك داخل المدرسة العادية أو خارجها خلال ما يسمى بتحديد المشاعر بوضوح وخاصة السلبية منها. فعندما يتواصل الطفل ذو اضطراب التوحد مع المعلمين للتعبير عن مشاعره السلبية بعبارات مختلفة مثل “أنا خائف”، “أنا حزين”، “أنا غاضب” وما إلى ذلك من عبارات تسهل عملية التعامل معه وتلبي احتياجاته التي يؤدي تجاهلها دخوله نوبة من الغضب أو الانهيار.
- مهارة العمل ضمن فريق وطريقة التشجيع من خلال المجموعة أو الفريق Encourage Inclusion
إن مهارة العمل بفعالية مع الآخرين هو من المهارات الحيوية في كلاً من الأوساط الأكاديمية والاجتماعية.
وذلك يتم من خلال تدريبهم على العمل في مشاريع جماعية وتقاسم المسؤوليات وتقدير وجهات النظر المتنوعة فيما بينهم لتعزز العمل الجماعي والتكامل الاجتماعي فيهم.
خلاصة الدراسة:
بينت الدراسة الاختلافات الموجودة بين الطلبة حسب العمر وأن تلك الاختلافات يمكن أن تكون معدومة بينما في مهارات أخرى تكون مشجعة لوجودها. ووجود مثل تلك الاختلافات يشجع لعمل دراسات أخرى بنفس الموضوع وذلك لكون المجتمع البحريني له خصوصيته الاجتماعية الخاصة به والتي قد تتأثر بالكثير من العوامل الايدلوجية والثقافية وخاصة إذا ما كان المجتمع البحريني مجتمع متنوع ومفتوح على أكثر من ثقافة التي تحمل معها الايدولوجية الخاصة بها. ولكون تلك الاختلافات الاجتماعية ظاهرة طبيعية بأي مجتمع والتي يمكن أن نعبر عنها بالظاهرة الإنسانية التي تختلف من شخص لآخر بناء على ثقافته الخاصة به. إلا أن ذلك يقودنا إلى الصعوبات والتحديات التي قد يواجهها الشخص المصاب بالتوحد عند تفاعله مع المجتمع الذي لديه الكثير من الثقافات المتعددة. لذا كان من الأهمية أن يتاح لهذا الشخص من دراسة نموذج معين يستطيع من خلاله تعلم مهارات تمكنه من التفاعل الاجتماعي بسهولة، وهذا السبب من نشأة الصفوف الصديقة المساعدة لأطفال التوحد للدمج بالمدارس العادية.
وقد اعتمدت الباحثة الصفوف الصديقة لأطفال التوحد والتي تركز على تدريب الأطفال التوحديين مهارات معينة ليتمكنوا من إتمام تعليمهم بالمرحلة الابتدائية من التعليم في الصفوف العادية مع الأطفال الطبيعيين. وقد تم تطبيق ذلك على عينة من الطلبة عددهم عشرون (20) طالب من مركز أمنية للتوحد والتربية الخاصة وذلك خلال العام الدراسي 2023-2024م، وتم نجاحها. وعليه فإن الباحثة توجه بأهمية البحث العلمي في مجال مدى خدمة مثل تلك الصفوف الصديقة لأطفال التوحد ومساعدتهم في عملية الدمج بالمدارس العادية، لكون ذلك يتطلب تفسير أعمق وجهد أكبر.

